أبي بكر جابر الجزائري
332
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
يقول تعالى لرسوله ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أنا أرسلنا الشياطين أي شياطين الجن والإنس على الكافرين بنا وبآياتنا ورسولنا ولقائنا تؤزهم أزا أي تحركهم بشدة نحو الشهوات والجرائم والمفاسد ، وتزعجهم إلى ذلك بالإغراء إزعاجا كبيرا . أي فلا تعجب من حال مسارعتهم إلى الشر والفساد ولا تعجل عليهم بمطالبتنا بهلاكهم إنما نعد لهم كل أعمالهم ونحصيها عليهم حتى أنفاسهم ونحاسبهم على كل ذلك ونجزيهم به . هذا معنى قوله تعالى : فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ « 1 » عَدًّا . وقوله تعالى في الآية ( 85 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ أي أذكر يا رسولنا يوم نحشر المتقين إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً . والمتقون هم أهل الإيمان باللّه وطاعته وتوحيده ومحبته وخشيته وطاعة رسوله ومحبته وفدا أي راكبين على النجائب من النوق عليها رحال الذهب إلى الرحمن إلى جوار الرحمن عزّ وجل في دار المتقين الجنة دار الأبرار والسّلام . وقوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً : أي ونسوق المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي مشاة على أرجلهم عطاشا يساقون سوق البهائم إلى جهنم وبئس « 2 » الورد المورود جهنم . وقوله تعالى لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ « 3 » اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً « 4 » أخبر تعالى أن المشركين المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي فدسوها لا يملكون الشفاعة يوم القيامة لا يشفع بعضهم في بعض كالمتقين ولا يشفع لهم أحد أبدا لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا بالإيمان به وبطاعته بأداء الفرائض وترك المحرمات يملك إن شاء اللّه الشفاعة بأن يشفعه اللّه في غيره إكراما له أو يشفع فيه غيره إكراما للشافع أيضا وإنعاما على المشفوع له . كما أن أهل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه المتبرئين من حولهم وقوتهم إلى اللّه الراجين ربهم يملكون الشفاعة إن دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون منها بشفاعة من أراد اللّه أن يشفعه فيهم .
--> ( 1 ) أي : لا تطالب بهلاكهم الفوري فإنا نعدّ لهم الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء آجالهم . ( 2 ) يطلق لفظ الورد على الماشية عندما تساق إلى الماء لترده ، ويطلق على السير إلى الماء أيضا كما يطلق على الماء المورود ومنه قوله تعالى : وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . ( 3 ) الاستثناء منقطع ، والمنقطع هو : استثناء الشيء من غير جنسه ، ولذا يؤتى بعده بلكن كما هو في التفسير أي : لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يشفع . ( 4 ) من لهم عهد بالشفاعة حيث عهد اللّه تعالى إليهم بذلك هم الملائكة والأنبياء والشهداء أيضا بدليل السنة الصحيحة ، وفسّر ابن عباس رضي اللّه عنهما العهد أيضا بشهادة أن لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه والقيام بحقها مع التبرؤ من الحول والقوة للّه تعالى .